ابن عربي

36

مجموعه رسائل ابن عربي

لا يفي حسن صدقه بما يلحقه في ذلك من العار والمنقصة الباقية اللازمة . وكذا ليس يحسن صدقه متى سئل عن مستجير استجاره فأخفاه ، ولا إن سئل عن جناية متى صدق عنها عوقب عليها بعقوبة مؤلمة . والصدق مستحسن من جميع الناس ، وهو من الملوك والعظماء أحسن ، بل لا يسعهم الكذب ، ما لم يعد الصدق عليهم بضرر . ومنها سلامة النية ، وهو اعتقاد الخير لجميع الناس ، وتجنب : الخبث « 1 » والغيبة ، والمكر ، والخديعة . وهذا الخلق محمود من جميع الناس ، إلّا أنه ليس يصلح للملوك التخلق به دائما ، ولا يتم الملك إلّا باستعمال المكر والحيل والاغتيال مع « 2 » الأعداء . ولكن لا يحسن بهم استعماله مع أوليائهم ، وأصفيائهم ، وأهل طاعتهم . ومنها السخاء ، وهو : بذل المال من غير مسألة ولا استحقاق ، وهذا الفعل مستحسن ، ما لم ينته إلى السرف والتبذير ، فإن بذل جميع ما يملك لمن لا يستحقه ، لم يسم سخيا ، بل يسمى مبذرا مضيعا . والسخاء في سائر الناس فضيلة مستحسنة ، فأما في الملوك فأمر واجب ، لأن البخل يؤدي إلى الضرر العظيم في ملكهم ، والسخاء والبذل يرتهن به قلوب الرعية والجند والأعوان ، فيعظم الانتفاع به .

--> ( 1 ) بضم الخاء وسكون الباء . ( 2 ) ذلك لأن العدو إن لم تمكر به مكر بك ، وإن لم تغتله اغتالك ، ولكن يجب أن تعلم أنه ليس بين المسلمين عداوة ، وحروب هذه الأيام من المسلمين بعضهم مع بعض حروب جاهلية وكفر واللّه أعلم .